جلال الدين السيوطي

86

الأشباه والنظائر في النحو

قيل له : فهلّا لزموا حركة واحدة لأنها مجزئة لهم إذ كان الغرض إنما هو حركة تعقب سكونا ؟ فقال : لو فعلوا ذلك لضيّقوا على أنفسهم فأرادوا الاتّساع في الحركات ولم يحظروا على المتكلم الكلام إلا بحركة واحدة ، هذا مذهب قطرب واحتجاجه . وقال المخالفون له ردّا عليه : لو كان كما ذكر لجاز جرّ الفاعل مرة ورفعه أخرى ونصبه ، وجاز نصب المضاف إليه لأن القصد في هذا إنما هو الحركة تعاقب سكونا يعتدل بها الكلام ، فأي حركة أتى بها المتكلم أجزأته ، فهو مخير في ذلك ، وفي هذا إفساد للكلام وخروج عن أوضاع العرب وحكمة نظم في كلامهم . واحتجّوا لما ذكره قطرب من اتفاق الإعراب واختلاف المعاني واختلاف الإعراب واتفاق المعاني في الأسماء التي تقدّم ذكرها بأن قالوا : إنما كان أصل دخول الإعراب في الأسماء التي تذكر بعد الأفعال لأنه يذكر بعدها اسمان أحدهما : فاعل والآخر مفعول ، ومعناهما مختلف فوجب الفرق بينهما ثم جعل سائر الكلام على ذلك ، وأما الحروف التي ذكرها فمحمولة على الأفعال . المبحث الخامس : في أن الإعراب أحركة أم حرف ؟ قال « 1 » الزجاجي : باب القول في الإعراب أحركة أم حرف : قد قلنا إن الإعراب دالّ على المعاني ، وإنه حركة داخلة على الكلام بعد كمال بنائه ، فهو عندنا حركة نحو الضمة في قولك : هذا جعفر ، والفتحة في قولك : رأيت جعفرا ، والكسرة في قولك : مررت بجعفر ، هذا أصله ، ومن المجمع عليه أن الإعراب يدخل على آخر حرف في الاسم المتمكن والفعل المضارع ، وذلك الحرف هو حرف الإعراب فلو كان الإعراب حرفا ما دخل على حرف ، هذا مذهب البصريين . وعند الكوفيين : أن الإعراب يكون حركة وحرفا ، فإذا كان حرفا قام بنفسه ، وإذا كان حركة لم يوجد إلّا في حرف ، ثم قد يكون الإعراب سكونا وحذفا وذلك الجزم في الأفعال المضارعة وحرفا ، وهذا مما قد ذكرت لك أن الشيء قد يكون له أصل ثم يتسع . فإن قال قائل : فأين يكون الإعراب سكونا وحذفا وحرفا ؟ قيل له : يكون سكونا في الأفعال المضارعة السالمة اللامات نحو : لم يضرب ،

--> ( 1 ) انظر إيضاح علل النحو ( 72 ) .